السلام عليكم ورحمة الله
ثم قويت هذه الرغبة بعد أن سهل الوصول لوادي نمار وشقت الطرق إليه ، فعرفت وادي نمار ، وعرفت جبل رخمان ، وعرفت الحريضة . لكن لم أعرف الغار ، وقد ضعفت الهمة حين قيل لي إنه يوجد غار كبير في أعلى الجبل على مسيرة ساعات .
لكن وجود غار تأبط في أعلى الجبل لم يكن مقنعا لي ، فلماذا يقتل تأبط في الوادي ويصعد به إلى قمة الجبل محمولا إلى مسافة ساعات من الزمن ؟
وفي اليومين السابقين كنت في الوادي أبحث وأتسقط الأخبار ، فدعاني أحد سكان الوادي ، واسمه : مشقاص القارحي وأكرمني هو ووالده بعشاء فاخر ، وقد دعا إليه نفرا من أهل الوادي ومعهم شيخ القبيلة ( وادي نمار لقبيلة القرّح من هذيل ) وقد طرحت عليهم الكثير من الأسئلة ، ثم فوجئت بثلاثة أجوبة لم تكن لي على بال .
عندها ، وعندها فقط أدركت أنني عرفت صورة الوقعة تماما ،وحددت غار رخمان وقبر تأبط شرا . فماذا قالوا لي ؟ وبماذا أخبروني ؟
لنبدأ أولا بسرد الخبر كما ورد في الكتب ( الخبر موجود في كتب الأدب واللغة والمواضع وغيرها ، وقد جمعت الخبر مع بعض الاختصار من مصدرين رئيسين هما : الأغاني ، وشرح السكري على ديوان الهذليين ، مع إضافات قليلة من غيرهما ) .
قال أبو عمرو الشيباني : كان من شأن تأبط ، وهو ثابت بن جابر بن سفيان ، وكان جزيئا شاعرا فاتكا انه خرج من أهله بغارة من قومه يريدون بني صاهلة ... حتى هبط صدر أدام ، ... فاستقبل التلاعة ، فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي ليس فيها إلا النساء غير رجل واحد فبصر الرجل بتأبط وخشيه وذلك في الضحى فقام الرجل إلى النساء فأمرهن فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم وأمرهن أن لا يبرزن وجعل هو يبرز للقوم ليروه وطفق يغري ويصيح على القوم حتى أفزع تأبط شرا وأصحابه ، فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل ، وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه ثم يقف في آخرهم ثم يقول : يا قوم لكأنما يطردكم النساء ، فيصيح عليه أصحابه فيقولون : انج أدركك القوم ، وتأبى نفسه فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم . فقال تأبط في ذلك :
ولما انكشف تأبط عن بني نفاثة ، طلع من رأس إحليل ، فمر على رجل من بني قريم بين الجبلين يقال له جندب بن الحارث ومعه جار له من عدوان يقال له : صريم ( وذكروا الرواية وأنه كف عنه واكتفى بأن ركز سهما في ساحته ) قالوا : ثم طلعوا لمصدر حثن ، فوجدوا أهل بيت شاذ من بني قريم ذنب نمار ، فظل يراقبهم حتى أمسوا وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا .قال وقد كانت قالت وليدة لساعدة : إني قد رأيت اليوم القوم أو البقر بهذا الجبل ، فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله ، وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح ولم يقدروا على غرة مشوا إليه وغروه ببقية الشهر الحرام وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه وشكوا إليه الجوع فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا .
قال تأبط : إني قد رأيت معهم غلاما فأين الغلام الذي كان معهم ؟ فأبصر أثره فاتبعه ، فقال له أصحابه : ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا ، فاتبعه واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة (وفي رواية أخرى : استتر برنفة ) وأقبل تأبط يقصه وفوّق الغلام سهما حين رأى انه لا ينجيه شيء ، وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة فوثب على الصخرة ، وأرسل السهم فلم يسمع تأبط إلا الحبضة ، فرفع رأسه فانتظم السهم قلبه ، وأقبل تأبط نحوه وهو يقول : لا بأس . فقال الغلام : لا بأس ! والله لقد وضعته حيث تكره ، وغشيه تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة ، وقيل بالرنفة ، ويضربها تأبط بحشاشته فيأخذ ما أصابت الضربة منها ، حتى خلص إليه فقتله ، ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله ، فلما رأوه وثبوا ولم يدروا ما أصابه ، فقالوا : مالك ؟ فلم ينطق ومات في أيديهم ، فانطلقوا وتركوه ، فاحتملته هذيل فألقته في غار يقال له : غار رخمان .
هذه صفة غزوة تأبط شرا الأخيرة ، أو قل : رحلة الموت . وفي هذه الغزوة وردت أسماء مواضع متعددة ، وهي :
1) أدام . 2) التلاعة . 3) وشل 4) إحليل 5) مصدر حثن 6) ذنب نمار 7) رخمان 8) الحريضة .
ولا تعجب إذا قلت لك : إن جميع هذه الأسماء مازالت موجودة كما هي ، ويمكن تقسيم هذه المواضع إلى قسمين :
القسم الأول : المواضع التي سلكها في طريقة إلى موضع الوقعة ، وهي : ( أدام ، والتلاعة ، وشعب وشل ، ووادي إحليل ، ومصدر حثن (أو صدر حثن ) وهذه المواضع جميعا ما زالت موجودة بنفس الاسم ، وكل موضع منها يوصل للآخر ، بالرغم من تباعدها قليلا .
القسم الثاني من المواضع الواردة في الروايات السابقة :
وهي المواضع التي شهدت الوقعة ، وهي : ( ذنب نمار ، رخمان ، الحريضة ) وتعجب إذا علمت أن هذه المواضع متقاربة جدا ، والفرق بين ذنب نمار في أقصى الشمال ، والحريضة في أقصى الجنوب ، قد لا يتجاوز خمسمئة متر ، يقع في وسطها أحد أطراف جبل رخمان الكبير ، ويمكن تسميتها بميدان الوقعة .
كيف تأكدت من هذا التحديد ؟
أعود بكم لليلة الدعوة في منزل مشقاص القارحي ، والأجوبة الثلاثة التي لم تكن لي على بال :
الجواب الأول : سألتهم عن ذنب نمار ، وكنت متصورا أن ذنب نمار هو أعلاه من جهة الجبال ، وهو بعيد قليلا عن الحريضة . فقالوا لي : ذنب نمار آخره حين يلاقي وادي الحوية ، وأعلى الوادي نسميه صدر نمار وليس ذنبه . فأزيحت عني مشكلة ، وأصبح ذنب نمار لا يبعد عن الحريضة أكثر من خمسمئة متر تقريبا .
الجواب الثاني : سألتهم عن غار رخمان ، فقالوا جبل رخمان كبير جدا ، وفيه غيران كثيرة ، فقلت : هل يوجد غار بين ذنب نمار والحريضة ؟ فسكتوا قليلا ، ثم اشتعلت ذاكرة الشاب حسان بن سرور القارحي ، فقال : نعم يوجد في وسط هذا الموضع غار هو بالتأكيد ما تبحث عنه ، وسأريك إياه بعد العشاء . لكنه قال : أنا لن أدخله معك . لأن الداخل لهذا الغار يخرج وهو واحد من اثنين : إما مجنون ، وإما شاعر ، وضرب مثالا على شخص يعرفه ما زال حيا شاعرا !!! وقد فرحت جدا لخبر وجود هذا الغار في هذا الموقع ، وقررت أن آتيه مهما تكن العواقب .
الجواب الثالث : بينما أنا استمتع بالقهوة في ضيافة مشقاص القارحي ووالده ، بعد فرحة العثور على الغار ، إذ دلف إلى المجلس شيخ قبيلة القرّح , وبعد التحية والسؤال عن الحال ، أخبرته بقصة الفهمي وأنه قتل هنا ، وأنني عثرت على الغار .... وبعد أن استمع للقصة كاملة ، ذكر لي خبرا هو أهم خبر سمعته تلك الليلة ، خبر لم تذكره كتب الأدب ولا اللغة ولا المواضع ، وهو أنهم يسمون الشعب الصغير الملاصق للغار المتقدم ، يسمونه : شعب تلبط . وتلبط تعني بلغة هذيل الآن ولغة جميع قبائل المنطقة ، تعني : تأبط . لأنهم يستثقلون الهمزة فيحذفونها أو يبدلونها كثيرا ، فيقولون : لِبط ، ويقصدون : إبط . ويقولون : تلبّط فلان الشيء ، أي : وضعه في إبطه . فهذا الشعب الصغير جدا والقريب جدا من الغار هو : شعب تأبط ، دون أن يعرف أحد الآن سبب هذه التسمية .
وبعد العشاء ذهبت برفقة حسان وأراني شعب تأبط ، والغار . فوجدته غارا صغيرا ، وله مدخل صغير ، وهو أصلح ما يكون قبرا لإنسان لا ترغب في حفر قبر له . وهذا الغار يقع في جبل رخمان ، في أسفله مما يلي الوادي . مما يصح تسميته بغار رخمان الوارد في الأخبار . وقد كدت أدخله ليلا ، لولا تحذيرات حسان ، ولولا خفافيش رأيتها على ضوء السيارة وهي تخرج منه . فقررت أن آتيه في ضوء النهار .
كل هذه الأجوبة الثلاثة مجتمعة ، جعلتني أخرج تلك الليلة بنتيجة قطعية ، وهي أن هذه المواضع هي مواضع تلك الوقعة الغابرة ، وأن الفاتك تأبط خر صريعا في هذه البطحاء ، ونتيجة أخرى قريبة من القطع ، هي أن هذا الغار هو قبر تأبط شرا .
وتصوري للوقعة كالتالي : أغار تأبط ورفقته على الهذلي وأهله وغدروا بهم في أسفل وادي نمار ( ذنب نمار ) ثم فر الغلام الهذلي إلى الجبل . وتتبع تأبط شرا الغلام لمسافة خمسمئة متر تقريبا ، حتى أدركه بالحريضة ( الحريضة ركح صغير في سفح جبل رخمان من الشرق تقريبا ، ومساحتها صغيرة جدا ، ولا أظنها ستحتفظ بهذا الاسم كل هذه القرون لولا ارتباطها بهذا اليوم ) وفي الحريضة أصيب تأبط بالسهم ثم عاد لأصحابه بالوادي يجر رجليه ، وسقط في الوادي أمام رفاقه عند مدخل شعب تأبط ، فغادر أصحابه وتركوه ، فحملته هذيل ودفنته في أقرب غار ،( يبعد الغار الموجود الآن عن الشعب في حدود مئة متر ) ، ثم اطلقت هذيل لاحقا اسم تأبط على الشعب الأقرب للغار .
صور الغار من الخارج :
الخبر من قسم : معالم وأثار مناطق المملكة | عدد الزيارات : [230] | تاريخ الإضافة : 14/9/2011 | كاتب الخبر : مطر الليل
جميع الحقوق محفوظة لموقع موقع المعالم والأثار